مــؤسســة آل الشـــريف الــهنــدي

03/05/2005 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا وآله وصحبه

" كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون "

(فصلت / الآية 2)

الشـريف محمـد الاميـن ود الهـندي

}أبو الحيران قطب القرآن{

(1233-1301هـ / 1817- 1883م)

 

 

من كتاب "الشريف محمد الأمين، قطب القرآن وآخرالمحققين" للدكتور إبراهيم القرشي:

 

هو أبو يوسف الشريف محمد الأمين بن الشريف يوسف المشهور بود الهندي، العالم العامل المجتهد الرُّحَلة المُصَنِّف، "محي الدين ومعلم آيات الكتاب المبين" قطب القرآن وختام القراء وخاتمة المحققين وأحد أركان تعليم القرآن في فترة الحكم التركي في السودان؛ ويحلو لمريديه وتلامذته أن يلقبوه بالشايب ويكنوه بأبي الحيران (جمع حوار وهو طالب علوم القرآن).

 

يعتقد أن مولد الشريف محمد الأمين سبق بقليل عام 1237هـ-1821م العام الذي شهد نهاية مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء). ولكن من المؤكد أنه أدرك العصر التركي كله وعاش سنوات في المهدية وكانت وفاته سنة (1301هـ-1883م) قبيل زحف جيش الإمام المهدي إلى الخرطوم.

 

نشأته وصباه

 

نشأ هذا الشيخ في ديار العقليين - بين نهري الدندر والرهد - في محل يقال له (راشد) ؛ بدأ القراءة في خلوة والده الشريف يوسف الذي كان بارعاً في القرآن بدليل اختباره للفكي عبدالله الصليحابي قبل أن يكل إليه مهمة تعليم أولاده. والفكي عبدالله الصليحابي البرقاوي من قبيلة البرقو من دار صليح نواحي شاد، كان من مشاهير علماء تجويد القرآن ومرّ بخلوة الشريف يوسف في طريقه إلى الحج فعرض عليه الشريف يوسف تعليم أولاده القرآن وعلومه فلازمه الشريف محمد الأمين زمناً طويلاً وكانت حفاوة الشريف محمد الأمين بشيخه وبرّه به مضرب المثل خصوصاً بعد أن أدركه الكبر وله في ذلك قصة عجيبة.

وكان عاملاً مجتهداً أظهر تفوقاً على إخوانه وأقرانه منذ نعومة أظفاره حتى لفت نظر أبيه الذي سأل شيخه الفكي عبدالله الصليحابي عن سر ذلك فقال له: عندما يصل بقية التلاميذ يكون محمد الأمين قد ردد لوحه خمسين مرة لأنه لا يفارق سريري.

 

ثم بدأت مرحلة تنقله بين مشاهير مشايخ هذا الشأن وأظهر جداً ورغبة صادقة ولم يشغله جاه أبيه ولا ماله ولم يكن له منه نصيب إلا حماراً اتخذه وسيلة لأسفاره حيث رحل إلى عدد كبير من العلماء والشيوخ بمختلف أنحاء السودان شرقا وغربا فدرس عليهم الفقه والتجويد وسائر علوم القرآن. يمكنك الرجوع إلى الكتاب لمعرفة المزيد من التفاصيل.

 

الأزهر الشريف بالقاهرة - مصر

رحلته إلى مصر

 

لما استفرغ الجهد في التلقي عن مشايخ بلده واستنفد ما كان متاحاً، توجه الشريف تلقاء مصر وحط رحاله بالقاهرة حيث درس على مشايخ الأزهر. فدرس علم البلاغة والفقه وكان من شيوخه الشيخ حسن العِدْوِي الحمزاوي. كمــا درس عــلى الشــيخ عليش والشيخ الباجوري، وثلاثتهم من كبار مشايخ الأزهر الشريف.

وبعد أن مكث في القاهرة سبع سنوات تاقت نفسه إلى المزيد من علم التجويد والقراءات فتوجه نحو صعيد مصر حين سمع بعالم ماهر في نواحي أسوان قرية (إدفو) هو الشيخ محمود أبو دريقة. فنزل عنده ومكث معه ثلاث سنوات.

 

رحلته إلى الحجاز

"وحات الله آ فقرا.. شيخنا نبينا.. شيخنا نبينا" الشريف محمد الأمين

رحل الشريف محمد الأمين بعد ذلك من مصر إلى الحجاز موطن أجداده وأقام زمنا بالمدينة –يقال عامان- نهل فيها من علوم الحديث. ودرَّس - بتشديد الراء- بخلـوة بمكة بمكان يقال له السلوطية. ثم قفل راجعاً إلى مصر ومنها إلى السودان.

 

صورة قديمة للمدينة من باب سوريا وترى السور لازال قائما

 

ذرية الشريف محمد الأمين الهندي

 

عندما أسس الشريف محمد الأمين أول مسجد للتجويد وعلوم القرآن بمنطقة السروراب (شمال أم درمان) بمنطقة الجيلي تزوج السيدة شموم كريمة الأرباب أحمد ود الزين السرورابي و ارتحل بها بعد مدة إلى حلة الشريف يعقوب شرق مدني وأنجب منها ثلاثة أولاد: الشريف علي والشريف يوسف والشريف أحمد. درس الشريف علي علوم القرآن على والده وصار من أكبر المعاونين له وهو الذي تقلد راية الأشراف في المهدية واستشهد في واقعة سنار. والشريف أحمد توفى في صباه. أما الشريف يوسف الهندي فهو مؤسس الطريقة الهندية.

 

تدريسه القرآن

 

بدأ الشريف رحلة تعليم القرآن بالثمانيات من نواحي الجيلي. في نحو سنة 1256هـ-1840م. أقرأ تلاميذه بالقراءات السبع، وقيل يعلم القرآن بالقراءات (الأربعة عشر) المجمع عليها ويعلم رسمه وتفسيره وأسباب نزوله. وكان مختصر خليل ورسالة ابن أبي زيد القيرواني والسنوسية هي من أوائل ما أخذه عن شيوخه وكان يدرسها لطلابه، كما كان يدرسهم مصنفات أبي عمرو الداني وأبي داؤود بن نجاح والشاطبي وابن الجزري والخراز وهم أئمة علم القراءات والرسم والضبط. ومصنفات السودانيين القراء مثل عمدة البيان للأغبش والسلم لابن مدلول ومصنفات أخرى شحن تآليفه بالإشارة إليها والأخذ العلمي الموثق عنها.

 

 

نُـــوَّارة

 

ثم تكاثر على الشيخ محمد الأمين الطلبة من كل جهات السودان ، حتى ضاق بهم المكان وصاروا يتعرضون للأزمات التموينية من وقتٍ لآخر ، ثم اختار الله ونقل الخلوة إلى الصعيد جهة نهر الرهد حلة (الشريف يعقوب ) . واستمرت الدراسة قرابة 14 سنة ، ثم نقلها لقرية (نُوَّاره) ومدة الدراسة بنواره سبعة سنوات . وطار اسم نواره وصار يتردد على السنة الناس لأن الخلوة في نواره أكتمل عقدها وتهيأ لها كل أسباب الاستقرار والعيش الرغد وبلغ عدد الطلبة الوفاً مؤلفة.

وكان مسيده في نوارة تُوْقدُ فيه خمسون تُقَّابة (نار توقد للإضاءة) لتحفيظ القرآن وثلاث عشرة تقابة لتجويده. وعندما يدخل الليل وتشب هذه النيران يكون منظرها بديعاً يخلب ويأسر الأفئدة . وأهالي   (نواره والشريف يعقوب) كانت نساؤهم تغزل وتضفر في منازلهن على ضؤ هذه النار .

 

مكانته العلمية

 

ومن شهادات العلماء له أيضاً ما يرويه حفيده الخليفة الشريف الصديق من أن جماعة من أحباب الشريف يوسف بن الشريف محمد الأمين توجهوا إلى العالم السني المفتي المشهور الشيخ الطيب ود أب قناية بودمدني يستفتونه في أمر وفي أثناء ذلك سألهم عن شيخهم فأخبروه أنه الشريف يوسف بن الشريف محمد الأمين الهندي فقال لهم: الشريف يوسف شيخكم أنتم ولكن الشريف محمد الأمين شيخ السودان كله لأن كل حرف من القرآن في لسان أي سوداني للشريف محمد الأمين فيه النصيب الأوفى نســبة لأنه قضـى (46) عاماً يدرس القرآن وتخرج على يديه ألوف من الحفظة فكل حافظ أسس له خلوة في جميع أنحاء السودان من جميع القبائل وبيوت الطرق الصوفية.

 

ولعل من خير الشواهد على مكانة الشريف إعجاب تلاميذه به وثناءَهم عليه فقد كانت عبارة "قطب القرآن" هي اللقب الذي يسبق اسمه دائماً وربما زاد تلاميذه أوصافاً غير ذلك كما جاء في عنوان مخطوطة (مقدمة الأحكام) ونص كاتبها: "هذه مقدمة الأحكام للسيد الأعظم والملاذ الأفخم الشريف محمد الأمين الهندي نفعنا الله ببركته وبركة علومه آمين".

 

عمله وتواضعه

 

يقول الشريف يوسف (إبنه): "وكان عمل الشريف الذي ينبّه عليه ويأمر به ويحض الخلق عليه القرآن وصلاة أنس بن مالك (الصلاة الأنسية). و محافظته على الصلوات الخمس وكان هو الإمام للصلوات الخمس بمسجده ما رأيناه تخلى عنها لمرض ولا لشغل غيرها. وأخبرنا تلاميذه وأخبرتنا زوجاته أن هذا ديدنه من أول عمره. وشاهدناه نحن وهو في ذلك كذلك إلى أن ارتحل لمقابلة المهدي. وأخبرتني والدتي شموم قالت: كان لا يدع صلاة الليل بالقرآن وكانت اثنتي عشرة ركعة.

 

وكان يحب المداح ويجلس لمديحهم بالطار أيام العيد الثلاثة على بنبر (مقعد صغير من الخشب المنسوج بسعف النخيل) من بنابر خدم الفقرا ويكرمهم وينزلهم منزلة خاصة، قال الخليفة أحمد ود المادح-رحمه الله-: قالوا كان حينما يسمع دخولهم مسيده وهم يرددون (يا الله السلامة) كان يقول "أهل طُلبتي جو" لأن مسيده كان محرماً على جُباة الطُّلبة (جامعي الضرائب من الأتراك) لأنهم طُلاَّب علمٍ لا يملكون ما يُجْبى منهم. وكان يهتف قائلا: "وحات الله آ فقرا.. شيخنا نبينا.. شيخنا نبينا" .

 

حقل للذرة

 

والشريف محمد الأمين لم يتقاض أجراً على عمله لا من دولة ولا من أفراد طيلة حياته العملية. وكان اعتماده في المعيشة على بلاده -الأرض التي تزرع بالري المطري- ذكر لي المادح محمد صالح عبدالجبار عليه رحمة الله من أهالي الدناقلة شرق مدني أن مساحة بلاد الشريف بنوارة كانت ثمانية وعشرين جدعة –الجدعة خمسة أفدنة وربع- تمتد من نوارة إلى قريب من ود الركين. يزرعها بنفسه مع الفقرا وهي مُوْنَتُهم لعامهم وكانت تكفيهم. وكان يخرج إلى البلاد ماشياً فيلحقه تلاميذه بزاملة أحدهم ليركب عليها. كما كانت معيشته ومعيشة أولاده وأتباعه الاحتطاب أيضاً، يبيعون الحطب في السوق ويأكلون ثمنه وكانوا يفورون بليلة الدخن – يسلقونه- ويأكلونه ولا يأكلون شيئاً من بيت المال البتة. كان يحش (يقطغ القش) بيده ويفرق طعام الفقرا عليهم بيده، ويغسل ثوبه بيده ويطويه ويُنَشِّفه بساق شجرة ويَرِدُ الماء على ظهره فيملأ أواني والدته في الثلث الأخير من الليل، ويملأ قِرْبَتهُ بنفسه ثم يذهب إلى صلاة الفجر.

 

صفاته وأخلاقه

 

كان أبيض اللون، نحيف الجسم، سريع الخُطَى، دائم التلثم والتقنع. وكان ذاكراً لائذاً بالصمت يقول عنه ابنه الشريف يوسف: كان مسجوناً في خلوته وكان لسانه مخزوناً في فمه وفوه مُطْبقاً عليه، لا يفتح هذه الأقفال إلا لعلم أو تلاوة، كثير القيام لا ينام إلا عن غَلَبة ولا تخلو يده من غَرْفة (جزء من القرآن) أو سبحة.

 

وكان زاهداً لا يعرف شيئاً من أمور الدنيا ولا يملك منها سوى السكين "المطواة" التي يبري بها قلمه. وفراشه من حصير لا وسادة له. ولم تكن عنده ناقة ولا بقرة ولا معزة ولا نعجة ولا جمل ولا حصان ولا حمار. انتقل من حلة يعقوب إلى نوارة على حمار تلميذه إبراهيم مختار، ومن نوارة إلى الأبيض (نحو ستمائة كيلو متر) لملاقاة المهدي على حمارة تلميذه محمد كُرْمِنُّو. ولم يكن له عبد ذكر يتولى خدمته. وله حوالي مائة جارية هن خدم الفقرا جميعهن ممن انقطع عنهن دم الحيض وليس لهن أرب في الرجال، ولا يشتري جارية إلا بهذه الصفة. ومع  توافر المواد المحلية والإمكانيات لبناء بيت ولو من الطوب الأخضر (الطين غير المحروق) كان بيته في شرق الجزيرة خلوة من القش بابها من فَلَكَاب السِّدر. وكان  متقشفاً لا يأكل اللحم ولا السكر. وكان ورعاً لا يقبل الهدية، فقد ردّ كل الهدايا التي أهديت إليه من الشيوخ ورؤساء القبائل، فقد ردّ هدية الشيخ عوض الكريم أب سن وهي ثلاثمائة رَحَل (عيش) وقال له أعطيها الشريف الريح ينفقها على الضيوف. كما ردّ هدية محمود ود زايد وهي نقدية محمولة على ناقة. بل ردّ هدية الإمام المهدي فقد أرسل له ناقة بيضاء ومائة جنيه ذهب ضيافةً مع أحمد سليمان أمين بيت مال المهدية فردها الشريف وقال له: إن شاء الله يكون حظنا من المهدي غير الدنيا، ومع ذلك عندنا منها ما يكفينا. فكان لا يقبل الهدية إلا أن تكون مسواكاً أو روباً (الحليب الرائب) في قرعة (إناء من قشرة القرع) . وذكر لي الخليفة ود المادح عليه رحمة الله أنه كان يقبل هدية واحدة من أحد تلاميذه وهو الفكي صالح الحاج موسى وكان يأتي من أم درمان حاملاً نوعاً من الحلوى اسمه (راحة الحلقوم) وكان الشريف يقبلها لأنها تطري الحلق للتلاوة.

 

وكان الشريف شفوقاً حتى على النمل والطيور. يقول الشريف يوسف "كان أنفع الخلق للخلق وأرحمهم قلباً ما ذبح شيئاً بيده ولا قتل نملة ولا قملة ولا أخرج روحاً ولا حضر خروجها. وكان النمل معه في خلوته يدرش له الدريش ويقسمه عليه بالربع والتُّمن. و كان يأخذ الطيور التي نصطادها بأشراكنا الواحدة بقرش (العملة النقدية في ذلك الزمن) ويطلقها.

قال وكان يحكم بين الناس بالحق إذا أتوه، والعامة يسمون حكمه بالشريعة البيضاء وكان الحكام يَقْنِتُون ولا يَقْلِبُون (يعني يتذمرون خفية وخيفةً من صرامته في الحق ولا يجادلونه) وكان صارماً لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان يجادل بالقرآن كما سيمر بك.  وكان مهاباً له سمت العلماء والصالحين وهيبة السلف لا يخرج من خلوته لرفيع ولا وضيع ولا يقوم له من مجلسه أبداً. وقد ذكر الشريف يوسف أن الأميرين عبدالرحمن النجومي وحمدان أب عنجة قصداه في خلوته في رهد كردفان فخاطبهما من مكانه من وراء السوج (الجدار) ولم يخرج إليهما ولم يسمح لهما بالدخول عليه.

 

مع الأتراك

 

أما الأتراك فيروي ابنه الشريف يوسف أن أحمد أغا أبوزيد المغربي أحد الولاة الأتراك كان مرّ بقرية الشريف يعقوب وبها مسجد الشريف محمد الأمين وكان مع الأغا بُلُكْ [فرقة] عساكر نحو سبعة وعشرين مسلحاً فحاول جماعته النزول بخلوات الشريف فعارضهم الفقرا (طلبة العلم) وحصلت بينهم مضاربة، فانهزم الأغا برجاله ونزل بقرية الشريف يعقوب وقبض على ما يقارب العشرين رجلاً، فيهم أولاد الشريف يعقوب ونزل بمنازل الشريف الريّح فتوجه إليه الشريف محمد الأمين وفك الأسرى ودار حوار حاد بينه وبين أحمد أغا قال أحمد أغا للشريف محمد الأمين: "ألم يقل الله "وأطيعوا اللهَ والرسولَ وأولي الأمر منكم"؟!! فقال له الشريف: وقال الله:"ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَه عن ذكرِنا واتّبَعَ هَوَاهُ وكان أَمْرُهُ فُرُطَا" فلما وصل الأغا إلى (القلعة رانج) لحقه طلب من الحكومة التركية بعزله من منصبه وأرسل الحاكم بالخرطوم آنذاك أخاه رسولا يعتذر للشريف وقفل راجعاً.

 

الإمام المهدي

مع الإمام المهدي

 

 كان الإمام المهدي قد مرّ على الشريف محمد الأمين الهندي بمسجده برهد الجزيرة قرب حلة الشريف يعقوب سنة 1299هـ في جملة من مرّ عليهم من أهل الخير والصلاح قبل أن يجهر بدعوته واستأذن له عليه الشريف الريح –من أشراف اليعقوباب- بقوله: رجل من أهل الطريق يدعى محمد أحمد ونسبه شريفي حسني وهو ابن عمنا يريد مقابلتك فخرج إليه الشريف من الخلوة ولم تكن عادته، وكان لا يخرج لرفيع ولا وضيع ولا يقوم له من  مجلسه مطلقاً، فقابله، وأطلعه المهدي على أمر دعوته والرآوي التي رآها والبشارات التي حصلت له.

ولما ظهرت دعوة المهدي كاتب الشريف في سنة 1299هـ طالباً منه اللحاق به في الأبيض فأمر تلك الجموع الحاشدة التي كانت تعمر خلاويه بنوارة بالتفرق، ولبّى دعوة المهدي. وهكذا ترك الشريف نوارة مخلفاً بها أعظم الآثار العلمية التي تشهد بعلمه وإمامته التي ما زالت باقية إلى يومنا هذا بالمكتبات الخاصة التي تحوي العديد من مؤلفاته الخطية بالإضافة إلى آلاف التلاميذ الذين حملوا عنه القرآن وقاموا بنشره في الكثير من بقاع السودان وأصبح قرآنه مضرب المثل في الخـلاوي إلى وقتنا هذا. وكان الإمام المهدي يجل الشريف ويكرمه.

 

وفاته

 

قال ابنه الشريف يوسف: ولما وصل إلى كردفان ونزل الرهد -ولم يسمع به من قبل- قال: "سبحان الله.. في رهد غير رهدنا؟" يعني رهد كردفان، قال أُعْلِمْتُ أني أموت بالرهد وكنت أتنقل بين يعقوب ونوارة للموت فظهر لي رهد آخر فبيوم السبت انقلوني على المحل العالي ذاك -وهو تلٌّ عالٍ. وكان نزوله في بطن وادي الرهد المنخفض وكانت تجتمع به المياه؛ فظنوا أنه يخاف من مياه الخريف المقبل. ولما أحس بدنو أجله طلب من الإمام المهدي حضور ابنه "علي" الذي كان مشاركاً في حرب جبل الداير فأرسل له المهدي خَيَّاَلةً أحضروه في يومين فجمع ابنه علي وخاصة تلامذته وأوصاهم. فلما جاء السبت انتقل إلى جوار ربه، وحملوا جنازته حسب أمره ودفنوه بالقوز العالي محل قبره اليوم. وكان ذلك في يوم السبت 27 رجب 1301هـ (1883م) وصلى عليه الإمام المهدي وأنزله في اللحد ابنه الشريف علي والخليفة عبدالله. رحمه الله بقدر ما أسدى لكتابه وخلقه.

 

تركته ومأثوراته

 

كانت تركة الشريف محمد الأمين –عليه رحمة الله- مصحفين اسم أحدهما "القِصَيِّر" وهو استانبولي الخط كان دائماً بصحبته وآخر بخط الفكي ضرار بن الحاج محمد الدنقلاوي وقد ذكرنا خبره. قال الشريف يوسف عن مصحف ضرار: كتبه (ضرار) برواية ورش فرده الشريف بخطه إلى رواية أبي عمرو. ومن مخلَّفاته سبحة كان أهداها له الإمام المهدي ووثيقة نسبه والصلاة الأنسية ورسالة الإمام المهدي له وبضعة ريالات بزجوري بين الخمسة والسبعة ريالات. وضعت في حقيبة جلدية صغيرة كما خلّف سيفاً وقدحاً اسمه "قدير" ما يزال موجوداً.  رحمهم الله جميعاً وأحسن إليهم بقدر ما قدموا من نور وإشراق في ظلمات الجهل المُطْبِقَة.

 

 

مؤلفــــات التجــــــويد

 

ألف الشريف محمد الأمين عشرة كتبٍ عن علم التجويد وأستعُملت على عهدي التركية والمهدية نذكر منها - مجموع البيان ، عقيلة أتراب القصائد - العانة - مقدمة الأحكام - الفوائد في علل الهمزة والزوائد ..الخ.

 

 وأحسب أن لهذه الكتب قيمة علمية وتأريخية وأثرية ويوجد منها القليل لدى أحفاده والباقي موزع على طلبته الكبار ( مخطوطات ) .

 

إقرأ ما قيل عنه..